نجلس فى محطة الترام لا نلوى على شئ ، أخبرها أنّـى جائع، فتقول أنى لا أفعل شئ سوى الأكل والنوم ،
نتضاحك سوياً ثم نذهب لمطعم فاخر .. اسألها عما تريد فتخبرنى أن لا حاجة لها فى الأكل الآن ثم أنها ليست " مفجوعة " مثلى فـفى الحياة ما هو أهم من الأكل ،
نتضاحك ثانيةً ، أحمل طعامى وأدفع مبلغاً ربما يكفى لإطعام أسرة يوماً كاملاً .
إلى محطة الترام نعود ، نجلس فى ركنٍ وحدنا .. أشرع فى تناول طعامى بشره خنزير أبعدوه عن القمامة لأيامٍ طوال
تنظر لى بدهشة ثم تضحك طويلاً متسائلة :
" أحمد ، انت مين علمك الأكل وأنت صغيَّر .. ؟ "
أخبرها فى لا مبالاة أن لا أحد ,, مات أبى منذ زمن بعيد ، وكان عند أمى ما هو أهم من تعليمى أنا والصغار كيف نأكل .. الأهم وقتها كان أن تجلب لنا الطعام .. !
أسكت لوهلة ثم استطرد فى جدية :
" .. كما ترين لم يعلمنى أحد أى شئ .. أنا ربيْتُ نفسى بنفسى " .
تنتابها هستيريا الضحك ، أحاول إقناعها بلا جدوى أن تخفض صوتها قليلاً فالناس حولنا ..
تخبرنى من بين ضحكاتها أن الشئ الوحيد التى تثق فيه هو آخر جملة قلتها
ــ يبدو أنك فعلاً ربيْت نفسك بنفسك ، فأنت بلا تربية تقريباً
ابتسم ولا أبالى بما تقول ،، تنظر فى عينىْ وتخبرنى أنها لن تتركنى لأربى أطفالنا فهى تريدهم أكثر أدباً وتهذيباٍ من أبيهم العربيد الذى أثبت فشله الذريع فى هذا الأمر ، أهز رأسى موافقاً
تشد على يدى وتقرر إطعامى بنفسها .. أوافق .. تقوم بذلك بسعادة طاغية كأنها تطعم صغيرها
أعلم ولعها الشديد بالأطفال ، لا أذكر أنّا رأينا طفلاً فى شارع فلم تبتسم له ثم تصف لى مدى رقته وبراءة ابتسامته
،نتحدث طويلاً عن حال البلد، والثورة، وحكم العسكر، والمظاهرات التى شاركنا فى معظمها، والبرادعى، والإخوان والسلفيين وأمريكا .. كل آرائنا متشابهة تقريباً فى هذا المنحى
نحن مع الثورة ، ولكننا لا نعرف إلى أين تتجه ، ما نعلمه جيداً أنها مستمرة وأنها تواجه حرباً شرسة وغير نظيفة .. وأنها ستنتصر يوماً ما
انتهى من طعامى ، تجمع قاذوراتى ، تضعها فى يدى وتشير إلى أقرب صندوق قمامة
أقوم متثاقلاً ، أضعها هناك ثم أعود مسرعاً ، أرى ابتسامتها الحنون فى طريق عودتى
لعلها الآن تقول : .. يا إلهى ، ما هذا الطفل المطيع الذى منحتنى إياه !!
نتهامس ، ثم نفيق على صوت فرقعة خافتة ، أحد الأشقياء قذف زجاجة مياة غازية ممتلئة فى الهواء ، سقطت على الأرض ثم مرت أمامنا .. أنظر إليه فى ضيق ، فيشير بيده أن لا تغضب ، أومأ له أن لا بأس
سريعاً يظهر فى المشهد رجلُ طاعن فى السن أشعت أغبر مهلهل الثياب ، محنى الظهر
يبدو عليه أثر الفقر والعوز ينحنى على الزجاجة ربما بقى فيها شيئاً يسد جوعه فلا يجد
يخيب أمله ,, فيقف بجانبها يده فارغة، وراء ظهره ,, ورأسه للسماء يشكو جورها
أتألم لما أرى ، تربت على كتفى
ـ انظرى ما فعل بنا الاستبداد ، هل استعد القائمين على أمر البلاد والعباد للقاء الله !!
أتذكر أننى إن لم أكن جزء من الحل ، فأنا جزء من المشكلة
أتحرك ناحية الرجل ، أخجل من نفسى فأعود ، هو يبدو عليه أثر الفقر ولا يبدو عليه أثر التسول
تشجعنى ، فأستجمع قواى .. أذهب .. أقف بجانبه .. أسأله عن أى شئ ، لا يجيب
أخرج كل ما فى جيبى وأضعه فى يده ، يخبرنى فى تردد أن لا
أربت على يده : أنت تحتاجهم أكثر منى
يأخذهم ويذهب بعيداً وقد استقام عوده وارتسمت ضحكة منكسرة على وجهه وتسارعت خطواته
أعود فاجلس بجانبها وقد أغرقت الدموع وجهيْنا
أتسائل فى نفسى : كيف كانت الأم تجلب الطعام للصغار ... !!
تمت